الحياة بعد سهام … ذاكرة تأبى الانطفاء

Realites - Yosra Chikhaoui 24 October 2025

في فيلمه الوثائقي “الحياة بعد سهام” يمضي المخرح نمير عبد المسيح في رحلة مضنية داخل متاهة الذاكرة، كمن يحفر في ثنايا الفقد بحثا عن معنى يبرّر البقاء
منذ “العذراء والأقباط وأنا”، يضع الكاميرا في مواجهة ذاته، يفتّش عن ملامح تائهة بين سرديات الإيمان والانتماء والمنفى ليواصل الحفر ذاته، بأسلوب أكثر نضج وأشد حميمية
والماضي عنده ليس أرشيفا ولى عليه الزمن بل نهج يتبعه ليعيد تشكيل الحاضر بما يسكّن هواجسه ويرسم مسارات الفقد مستبدلً الخرائط القديمة بمساحاتٍ من الخيال
في “الحياة بعد سهام”، لا يخضع المخرج للحتمية الزمنية التي يفرضها العنوان ويتأرجح بين أزمنة متداخلة حتى أنه يصنع ملامح للمستقبل ولا يسرد حكاية عائلية بل يشرح هوية تتوزّع بين الانتماء والحنين، بين الجذر والمنفى
وفي العنوان تتجلى مكانة “سهام” الأم، والعمود الفقري للعائلة، والذاكرة التي ترفض الانطفاء وكلّ ما يأتي بعدها ستخذ هيئة مختلفة ويكتب على صفحات الفقد بوعي محصن يلامس الألم دون أن يذوب فيه
في البداية يحاكي الفيلم المرثية المعلّقة، لا تبكي الغياب بقدر ما تنبش في أثره، ويواجه المخرج مرض أمه ورحيلها ويقف أمام فراغٍ يتجاوز الفقد الشخصي إلى خواء المعنى ولكنه لا يغلق السرد عند الرحيل
من مقاربة ذاتية عميقة، يطل عبر الكاميرا على ذاته حيث تتقاطع السيرة الشخصية مع الأسئلة الكبرى عن الذاكرة والهوية، ويتجاوز الحكي حديثه عن نفسه إلى الحديث عن جيلٍ بأكمله تشتّت بين الأمكنة وتقلّص في ذاكرته معنى الانتماء
المخرج لا يتخفى وراء موضوعه، بل يقف فيه عاريا ويعري عائلته، علاقاته، طفولته، وحتى لحظات الشكّ التي عاشها، لكنه لا يفعل ذلك بوحا أو إثارة لأية عاطفة ، بل تمرينا على الفهم
وببنما تلوح مشاهد الأم الحاضرة رغم الغياب يحرك الأب السرد ويدس أصابعه في جراح الأسئلة دون قصد ويتخلص الوثائقي من كلاسيكيته تباعا ليغدو تجربة بحث مفتوحة لا تنبؤك بمساراتها ولا مآلاتها
في تشابك الخاص بالعام، والحميمي بالسينمائي، يختار المخرج أن يُضمّن شريطه مقاطع من “عودة الابن الضال” و”فجر يوم جديد” ليوسف شاهين، ويخلق برزخا تتشابك فيه التفاصيل دون إيذان
هذا التداخل ليس مجرّد تحية إلى شاهين، بل توظيف ذكي لمرجعية بصرية وروحية تربط بين الحكايتين: فكما تحكي أفلام شاهين الحيرة والبحث عن أمكنة تستوعب الذوات فإنّ “الحياة بعد السهام” يطارد أطياف الماضي في زمنٍ مشحون بالشك
مقاطع شاهين في الفيلم تمد جسرا بصريا وعاطفيا، يربط الذاكرة السينمائية بالذاكرة الشخصية، وتتحول الكادرات إلى فضاءات للاستحضار، ومع كلّ انتقال بين الأرشيف والواقع، تتكثّف شاعرية الصورة التي تنزع عن الماضي انتهاءه
ما يميّز تجربة نمير عبد المسيح في هذا الفيلم هو تلك القدرة على جعل الذات موضوعا نقديا لا اعترافيا فبين الاعتراف والوعي النقدي مسافة شاسعة، وعبد المسيح يختار أن يقف في المنتصف، حيث يتحول البوح إلى أداة تحليل
من الناحية الإخراجية، تتبدّى حساسيته البصرية في المونتاج الذي يُراكم الأزمنة دون أن يقطعها، فتنساب بشكل يتداخل فيه الحاضر والماضي، وتبدو اللقطات القادمة من عمق الأرشيف العائلي كأصداء صوتٍ داخلي يبحث عن اكتماله
الإيقاع البطيء، والصمت المدروس، والفراغات بين المشاهد تمنح المتفرج فرصة للتأمل في فضاء تعيد فيه الكلمات ترتيب الفقد ويحيل فيه الصمت إلى العجز عن البوح والتعبير في بوتقة الحيرة والتخبط
الصوت في الفيلم لا ينفصل عن الصورة، فالموسيقى والمونولوج الداخلي يعملان كعنصرَي تذكير، ولا يصف الصوت فحسب بل يشفّ الدواخل وبين همس الراوي وهدير الذاكرة، تتكوّن موسيقى داخلية تتعالى فيها الذات وتنكشف هشاشتها
إلى منطق الدائرة يستند الفيلم ليبدأ بالحيرة وينتهي إليها وكأنّ الرحلة ليست بحثا عن إجابة بل دُربة على السؤال ليعكس هذا البناء الدائري طبيعة العلاقة بالذاكرة التي تبقى مفتوحة على احتمالات التأويل

الجميل في هذا العمل أنه لا يُغرق في الميلودراما رغم ما يكتنزه من شجن ويظلّ متزنا، محافظا على مسافة نقدية تتيح له أن يتأمل الألم دون أن يستسلم له ويتعدّى الفقد المأساة ليشكل مادة للتفكير
ومن خلال تلك المسافة، يُحوّل نمير عبد المسيح التجربة الشخصية إلى سؤال إنساني شامل عن الهوية والذاكرة والانتماء وتشهد اللغة الفرنسية التي تسيطر على الحوار على الرحلة بين الجذور والمهجر
في سياقٍ عربي مأزوم بالأسئلة حول الهوية والهجرة والانتماء، تبدو تجربة عبد المسيح صوتا مختلفا، فهو لا يعظ، ولا يبرر، ولا يصرخ، بل يهمس من داخل هشاشته
عبر الصورة يحاول أن يجد توازنا بين عوالمه فيلتقي الشخصي بالكوني، وتصبح الحكاية الفردية عن أمٍ راحلة وأبٍ يميل إلى الصمت مرآة لوجدان عربي تائه بين ماضٍ مثقل بالحكايات وحاضر يستوجب التأقلم معه
“الحياة بعد سهام” فيلم عن الطريق الدقيقة بين ما نفقده وما نبقيه حيًا فينا وعن السينما كأداةٍ للمصالحة مع الغياب، تتوازى فيه صناعة فيلم نمير مع تشكيل ذاته على وقع الغياب فيما ترسخ التفاصيل في ذاكرة المشاهد لصدقها الصارخ
وعبر هذا الفيلم يرسخ نمير عبد المسيح خطّه السينمائي القائم على الحفر في الذات وسيلة لفهم العالم، مستكملاً مسارًا متحررا من الثقل والرتابة والبرود يقدم رسالة حبّ متأخرة لوالده، واعترافًا مؤجلًا بالانتماء، ودرسًا في كيفية تحويل الجرح الشخصي إلى تأملٍ إنسانيٍّ واسعٍ لا يعرف حدودًا