شكوى رقم 713317…حين تتحول ثلاجة معطلة إلى فضاء للعلاقات الأسرية المتشابكة
Altra Sout - Israa Sief ○ 25 November 2025
الشكوى لغير الله مذلّة… مثل مصري شهير يعبر عن نتيجة الشكوى بوجه عام؛ سواء كانت مجرّد فضفضة لمن لا يستحق وتعرية لروحنا أمامه، أو شكوى لاستعادة حق والجري خلفه. ورغم أن الأمر قد يكون ضروريًا ومن حقنا الإنساني، إلا أن رحلة السعي خلف الشكوى قد وتجلب بالفعل شيئًا من المذلة والمجهود النفسي الكبير، ومن هنا جاءت فكرة فيلم شكوى رقم 713317
وقد فاز الفيلم بجائزة آفاق السينما العربية للسيناريو في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وقبل عرض الفيلم تتكوّن لدى الجمهور عادةً انطباعات تلازمهم طوال مشاهدته، ثم يستثمرونها في مناقشاتهم بعد العرض. وهذا ما حدث مع فيلم المخرج والسيناريست ياسر شفيعي، الذي أعطى الجمهور انطباعًا من خلال (البوستر) الرسمي للفيلم أنه يشبه فيلم “فوتو كوبي”
وفوتو كوبي كان للسيناريست هيثم دبور وإخراج تامر عشري و عُرض عام 2107 من بطولة الفنان محمود حميدة أيضًا والفنانة شيرين رضا، كما لعبت أمام الفنان محمود حميدة في فيلم ياسر شفيعي دور سما الفنانة شيرين، في صدفة من التشابه تخص البطل الرئيسي واسم الممثلة التي تؤدي الدور النسائي، مع قصة تدور حول علاقات الزواج والحب بعد الستين.
فهل كانت توقعات الجمهور في محلها؟
سعدت جدًا بأن قصة ياسر شفيعي مختلفة تمامًا عن قصة
فوتو كوبي على عكس ما توقّعه بعض الجمهور. ربما وُجد تماس في بعض المشاهد بين حالتي الحب في الفيلمين، خصوصًا لكونهما يتعرضان للحب في الفئة العمرية نفسها، لكن القصة هنا مختلفة بشكل كبير، وهو ما أثار إعجاب الجمهور.
أما أنا، فأنجذب إلى نوعية سينما المؤلف التي يتبنّى فيها المخرج عملًا من كتابته برؤية واضحة ومميّزة. وقد أراد ياسر شفيعي – في اعتقادي -أن يوضح عالمًا يشبهه بعناصر مستمدة من زمن انقضى مع نوستالجيا يتمسّك بها الكثير من المبدعين.
الثلاجة… جزء من الماضي والحاضر
لم يكن فريزر الثلاجة وحده الذي غلبه الزمن في شقة مجدي؛ فكل ديكورات البيت وأثاثه بدت من طراز قديم،
حتى ورق الحائط وطاولة المطبخ وسيراميك الحمام كلها عناصر وظّفت لإعطاء طابع خاص لشخصية مجدي الذي لا يتنازل عن هوية بيته بسهولة، وليس فقط عن جهاز أصابه التلف، فقط يحتفظ هو وسما بنظافة هذا البيت وترتيبه طوال الوقت.
ومع هذه التفاصيل القديمة بالمنزل جاءت فساتين شخصية سما بألوان الباستيل وتفاصيل ملابسها أقرب لعالم السبعينيات، وهكذا جمع شفيعي بين الماضي ممثّلًا في الثلاجة القديمة والأثاث والملابس، والحاضر ممثّلًا في مشكلات مجدي مع خدمة العملاء وغلاء الأسعارواهتزاز الطبقة المتوسطة التي أصبحت مضطرة لإعادة التفكير كثيرًا قبل شراء أي جهاز أصبح الإنسان المعاصر في حاجة أساسية إليه.
أكثر من مجرد ثلّاجة
لم تعبِّر الثلاجة عن الماضي والحاضر فحسب، بل عبّرت أيضًا عن عجز مجدي أمام إصلاحها، وتعنت خدمة العملاء تجاه أصحاب الحق، وهي أزمة يواجهها كثيرون. كما عكست الثلاجة أزمة الرجل الشرقي في التعامل مع مال زوجته واعتبار المسألة تخص كرامته.
وجاء السيناريو
وجاء السيناريو الذي فاز بجائزة مهرجان القاهرة السينمائي متماسكًا في بناء شخصية مجدي والاهتمام بالخطوط الفرعية: علاقته هو وسما بجارته (هنا شيحة) وعلاقتهما بابنهما، والتي عرفنا تفاصيلها عبر حوار إلكتروني موجز دون إطالة مناسبًا للحبكة الرئيسية التي تدور حول علاقة مجدي وسما والثلاجة.
ولم يتوقف دور الثلاجة عند المشكلات، بل أصبحت فردًا من أفراد القصة؛ تُخفي أشخاصًا في أحد المشاهد داخلها لخلق كوميديا الموقف، وتظهر كشاهدة على أحداث بين الشخصيات بتعليقات بسيطة وذكية.
ولأن الأزمات تستدعي التراجيديا، لجأ شفيعي إلى كوميديا الموقف والإفيه، واختار ضيوف شرف بارعين أبرزهم الفنانة العظيمة إنعام سالوسة التي صفق لها الجمهور فور ظهورها على الشاشة، إذ أدت في البداية دورًا صوتيًا كوميديًا، ثم ظهرت لاحقًا بأداء قوي.
كما قدم الفنان محمد رضوان أداءً لافتًا بدور عامل الصيانة الذي يتباهى بخبرات يعرفها وأخرى لا يعرفها، وهو نموذج واقعي للغاية.
أما الفنان محمد عبده فظهر كسلطة قانونية تحكم بين الطرفين فيما يخص الثلاجة، ليكشف الفيلم عن أزمات يومية نعيشها، وتورّطنا في البحث عن حكيم يحل المشكلة بعد أن زدنا الطين بلة.
والثلاجة سحبت في يدها بقية أجهزة المطبخ في الصورة الجيدة للفيلم، مثل أجهزة المطبخ التي نقلتها سما لغرفتها وصورها شفيعي على السرير في إظهار فوضى ما بعد تفاقم أزم الثلاجة وتوتر العلاقة بينها وبين مجدي.
الإضاءة وشريط الصوت… عزفٌ متناسق
استخدم ياسر شفيعي الإضاءة بذكاء؛ فاستعان بإضاءة الثلاجة ذاتها وزوايا تصوير تُظهرها من الداخل أثناء الكشف على عطلها. كما استخدم الإضاءة بأشكال مختلفة للتعبير عن الزمن ودلالاته:
مكالمة مجدي لخدمة العملاء نهارًا، وتكرار المكالمات في تسلسل مع انتقال الإضاءة إلى إضاءة خافتة مصدرها الأباجورة في غرفة النوم أظهر تكرار الشكوى بكل وقت مما يبرر انفجار مجدي غاضبًا في النهاية.
أما شريط الصوت، فقد وُظِّف ببراعة؛ من الموسيقى المتصاعدة مع محاولات إصلاح الفريزرو سرعة إيقاع الموسيقى بالتوازي مع مشهد عيد ميلاد سما مهدت للمفاجأة الدرامية التي حرّكت الأحداث، وهو ما قاد إلى تصاعد الانفعالات لاحقًا.
ولم يغفل شفيعي استخدام أصوات البيئة المحيطة والطبيعة:
صوت القطار في الخلفية كمؤشر على التوتر المتصاعد
تصاعد صوت القطار بعنف في لحظة مواجهة مجدي وسما ثم صوت المطر في النهاية، رمزًا لصفاء الروح بعد التعبير عن الغضب واستعادة مجدي لحق طالما بحث عنه طوال حياته.
كما استعان شفيعي بصوت إغلاق قنوات التلفزيون المشوّشة قديمًا، كإسقاط على تشوش عقل مجدي المتردد.
وتكرار صوت فتاة الإعلانات التي تناديه لاتخاذ القرار، مع جرعة من الخيال في كل ظهور إعلاني، خلق عنصرًا جذابًا يُدخلنا إلى عقل هذا الرجل المسن الذي تمنعه كرامته وذكوريته من شراء ثلاجة جديدة.
ما أحببت رؤيته أكثر عن الشكوى وأصحابها
الفيلم مكتمل العناصر بالنسبة لي وملاحظتي عليه الوحيدة هي شخصية سما التي كان يمكن أن تظهر بشكل أفضل من ذلك، فكنت أحب أن أعرف المزيد عن سما وتفاصيلها؛ فقد بدا بناء شخصية مجدي أقوى بالنسبة لي، كما كان أداء الفنان محمود حميدة مميزًا أكثر من أداء الفنانة شيرين رغم تألقها مؤخرًا في الدراما التلفزيونية، وربما كانت إصابتها بكسر كبير في الركبة أثناء التحضير للفيلم وعودتها بعد فترة طويلة للتصوير سببًا في هذا الأمر، على كل الإجابة عند الفنانة شيرين بالتأكيد وحدها.
شكوى رقم 713317 فيلم جيد يستحق المشاهدة فتحية لصناعه.