ضايل عنا عرض … كيف يصنع سرك غزة الحر الفرح على تخوم الحرب؟

Realites - Yosra Chikhaoui 12 December 2025

“ضايل عنا عرض” وثائقي للمصرية مي سعد بمشاركة المصور الفلسطيني أحمد الدنف يصور يومي سيرك غزة الحر، مجموعة الشباب الذين اختاروا مواصلة الحركة في مدينة أنهكتها الحرب

الفيلم الذي عرض في مهرجان القاهرة السينمائي ويشارك بأيام قرطاج السينمائية يلتقط  تفاصيل عروضهم ويتتبّع انتقالهم بين المناطق التي ترزح تحت وطأة القصف والدمار، وهم  يحملون أدواتهم البسيطة ليستمرّوا في فعل واحد: خلق فسحة صغيرة من الطمأنينة للأطفال

وعلى إيقاع تحركات المجموعة يظهر وجه آخر لغزة، وجه يصرّ على الحياة رغم كل شيء فهي  لا تقدم عروضًا للترفيه فحسب، بل تمارس فعلًا مقاومًا، يعيد تعريف معنى الوجود وسط الحرب

إن انتقال المجموعة  بين الملاجئ والمخيمات والأحياء المهدّمة شهادة على ثبات مجتمع كامل يرفض اختزاله في مشهد الدمار وبرهان على أن المرح ليس ترفا بل ضورة من ضرورات البقاء

والفيلم يعرض كيف يتحوّل السيرك إلى مساحة تعيد التوازن النفسي للأطفال بما يمثله من امتداد  لروح جماعية تصرّ على حماية ما تبقّى من الحياة اليومية، مهما كان الثمن

وسيرك غزة الحر ليس مشروعا فنيا فحسب بل هو  رمز لاستمرار الإنسان في مواجهة الحرب، وانتزاع لحظات الضوء من قلب العتمة، فوسط الدمار المتصاعد في القطاع، اختارت مجموعة من الشباب أن تتحرك وتقاوم

“ضايل عنا عرض” سردية أخرى للواقع في غزة تتشكل على إيقاع  مبادرة فنية وُلدت في قلب واحدة من أقسى البيئات الإنسانية في العالم وظلت تقيم العروض المتنقلة بين الأحياء المتضررة، تستهدف الأطفال بالأساس وتمنحهم لحظات من الاطمئنان في واقع سريع الانهيار

الفيلم، وهو أول أعمال المخرجة مي سعد، يتتبع رحلة أعضاء السيرك أثناء تنقّلهم بين المناطق التي ترزح تحت وطأة الحرب ويتابع تفاصيل التحضير للعروض والبحث عن أماكن مناسبة وسط الركام، وكيف يتحوّل كل موقع جديد إلى فرصة لإعادة بناء مساحة صغيرة من الحياة

في الأثناء تكشف الكاميرا بواقعية عالية مشاهد الطرق المهدّمة، وجدران المدارس المتشققة، والملاجئ التي تضيق بسكانها، وهي خلفية تُبرز الإصرار الذي يتحرك به الفريق رغم كل التحديات الأمنية واللوجستية

وحكاية الفيلم تستمد أهميتها من كسر الصورة النمطية التي تختزل غزة بوصفها مساحة للدمار فقط، ليتجاوز السيرك الفعل الترفيهي لتبني مبادرة مجتمعية تحمل أثرًا نفسيًا واضحًا على الأطفال الذين يجدون في تلك العروض متنفسًا بديلًا عن الخوف اليومي

وحول أعضاء السيرك تتشكل دوائر صغيرة من الاهتمام في كل منطقة يصلون إليها: عائلات تراقب، أطفال يتجمعون، وشباب يساهمون في ترتيب المكان، وهو ما يخلق سياقًا اجتماعيًا يؤكد أن الفرح، رغم هشاشته، قادر على جمع الناس وتخفيف وطأة الحرب

ويتعمّق الفيلم في تقديم الصورة الكاملة لتجربة الفريق، فلا يكتفي بتوثيق لحظات العرض، بل يتوقف عند الجانب الإنساني لشباب السيرك: إرهاقهم، تفكيرهم المتواصل في الأطفال، شعورهم بالمسؤولية، ومحاولتهم المحافظة على دورهم رغم خساراتهم الشخصية

ويبرز ذلك من خلال لقطات قصيرة للحوار بينهم قبل كل عرض، أو لحظات الصمت التي يلتقطها المصوّرون، والتي تكشف عن حجم الضغط النفسي الذي يرافقهم، إنها مشاهد تمنح المتلقي فهمًا أكبر لجوهر الحكاية وهو أن الفرح هنا ليس خيارًا هينا بل قرار يومي لا يخلو من الألم

والسيرك خصوصا والفن عموما يظهر في الفيلم كضرورة لا محاولة للهروب من الواقع  التي يقدمها تتحوّل إلى وسيلة لحماية الأطفال من الانغماس الكامل في مشاهد الحرب، وإلى فعل يرمّم التوازن النفسي للعائلات التي فقدت الكثير من مقومات الحياة الطبيعية. وبذلك يصبح السيرك، كما يقدّمه الفيلم، جزءًا من مقاومة جماعية تستند إلى التمسك بالإنسانية

على المستوى الإنتاجي، يستفيد الفيلم من صور التوثيق الميداني التي التقطها المصور الفلسطيني أحمد الدنف، إلى جانب يوسف مشهراوي ومحمود مشهراوي، والتي تحمل حساسية خاصة تجاه التفاصيل اليومية في غزة

وعبر هذه الحكاية، يسلّط “ضايل عنا عرض” الضوء على تجربة تطرح أسئلة أكبر حول دور الفن في المناطق المنكوبة، وكيف يمكن لمبادرات صغيرة أن تُحدث أثرًا ملموسًا في حياة الناس، وتعيد تعريف معنى الحياة وسط الحرب

فالسيرك، في جوهره، ليس سوى محاولة لإعادة ترتيب أدنى مقومات الأمان النفسي للأطفال، وشهادة على أن الأمل، مهما بدا هشًا، يمكن أن يصمد أمام قوة الدمار

a