ضايل عنا عرض … مقاومة الاحتلال بضحكة الأطفال

Al Jazeera - Alia Talaat 21 November 2025

فرض الحضور السينمائي الفلسطيني نفسه على المهرجانات السينمائية، ليس فقط العربية بل العالمية. وفي مهرجان القاهرة السينمائي بدورته الـ43 نجد فيلما فلسطينيا في كل مسابقة وبرنامج تقريبا، تناول كل منها القضية من زاوية مختلفة؛ استخدم بعضها لغة سينمائية قوية ستجعله يصمد عبر السنوات، بينما لجأت أفلام أخرى إلى البساطة الشديدة، واثقة من أن قضيتها ستجعلها تمر أمام جمهور المهرجان

فيلم “ضايل عنا عرض” وثائقي من إنتاج مصري فلسطيني، عُرض ضمن أفلام المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي في عرضه العالمي الأول، ومن إخراج المخرجة مي سعد والمصور الفلسطيني أحمد الدنف، وتركز أحداثه على فرقة سيرك غزة الحر، والشباب: يوسف خضر، محمد أيمن، محمد عبيد (جاست)، أحمد زيارة (بطوط)، إسماعيل فرحات، بالإضافة إلى فناني سيرك آخرين من غزة

فنانو السيرك في مواجهة الاحتلال

تدور أحداث فيلم “ضايل عنا عرض” في غزة ما بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما بدأ فنانو سيرك غزة الحر جولاتهم في القطاع لبث الضحكة في الأطفال الذين يعيشون ظروفا أبعد ما تكون عن الإنسانية. يقيمون عروضهم على أطلال منازلهم المهدمة، وفي ساحات مدارس تحولت إلى منازل مرتجلة لعائلات قصفت قوات الاحتلال بيوتها

يقدم كل فنان من فناني السيرك عرضه بمنتهى الإخلاص، فهو يرى أن هذه طريقته الخاصة لمقاومة الموت والدمار. يضحكون ويغنون ويرقصون ويدفعون الصغار إلى تقليدهم والانسجام معهم، لكن عندما يعودون إلى غرفتهم التي ينامون فيها على أفرشة على الأرض، يعودون مرة أخرى مواطنين غزيين، لكل منهم همومه الشخصية التي هي في النهاية انعكاس لأحداث غزة

في الغرفة المشتركة الكبيرة يتحول فنانو سيرك غزة الحر إلى شباب يعيشون بعيدا عن أسرهم منذ فترة طويلة. أحدهم يفتقد طفله ولا يأمل سوى اتصال إنترنت جيد يسمح له بمشاهدة الصغير وهو نائم في مكالمة فيديو، وآخر عاد إلى غزة قبل الحرب ليخطب حبيبته، فأتى العدوان الإسرائيلي ويمنعه من السفر ويحرمه حتى منها. لكل منهم قصته الخاصة من ناحية، وهي في الوقت نفسه تتشابه مع قصص باقي سكان القطاع لأن عنوانها هو الفقد غير المبرر، والقلق المستمر، والخوف من غدٍ لا ينجلي

تتجلى في الفيلم الأحلام البسيطة لفناني السيرك وغيرهم من سكان القطاع، فيحلم أحدهم بأن يقف إطلاق النار فقط ليستطيع النوم لساعات متصلة بدلا من هذا النوم الذي يسكنه رعب الاستيقاظ على قصف قد يفجر المنزل الذي يسكنه في تلك اللحظة، بينما يغلف آخر أحلامه بطابع اليأس عندما يتمنى ألا يتقطع جسده عندما يموت، حتى لا يكلف الآخرين عناء البحث عن أشلائه

وبينما يقضي هؤلاء الفنانون نهارهم في الاستعداد للعروض القادمة أو تقديمها، فإن لياليهم مليئة بالشجن، سواء عند حدوث القصف بالقرب منهم فيهرعون هربا أو للمساعدة، أو عندما يجلسون يحاولون تمرير الوقت بقصص من ماضيهم وتمنيات للمستقبل أو حنين لأفراد من عائلتهم، سواء أحياء أو موتى. وبين هذا وذاك يحللون الأوضاع في غزة؛ فكما حدث للكثيرين حوّلت المأساة المواطن العادي إلى محلل سياسي بارع يرصد ما يحدث ويحاول إيجاد منطق إزاء كل هذه الفوضى

ثقل الواقع وامتحان السينما

يقدم فيلم “ضايل عنا عرض” قصة مؤثرة عن أشخاص نرى مأساتهم الآن على شاشات الهواتف المحمولة والتلفاز، ما يضفي ثقلا على الفيلم ويجعله إلى حدٍّ ما غير قابل للنقد؛ فكيف تعلّق على جوانب فنية في عمل ينقل حياة أشخاص يعيشون تحت الحصار والقصف وخطر الموت؟

تسير قصة الفيلم عبر مسارين أساسيين: الأول هو المشاهد المصورة لعروض فرقة سيرك غزة الحر، والثاني جلسات الفنانين أمام الكاميرا، حيث يتبادلون الحديث حول حياتهم وماضيهم وأحلامهم لمستقبلهم ومستقبل عائلاتهم؛ قصص فردية لكنها تلتقي في الكثير من النقاط مع الهمّ العام للمجتمع في غزة الآن