فيلم شكوى رقم 713317 … ثلاجة معطلة تكسر حاجز الزمن وتعيد قراءة التفاصيل في علاقتنا بالحياة

Ahram Gate - Sarah Nemat Allah 16 November 2025

داخل هذه الثلاجة المعطلة، يمكننا فقط استكشاف عوالم آخرى بداخلنا، نقترب من حدود المسافات التي يفرضها علينا الزمن، نعيد قراءة التفاصيل الممثلة في علاقتنا بالحياة وبالآخر أيًا كانت صفته القريبة أو البعيدة.

يقدم المخرج ياسر شفيعي في أولى تجاربه الروائية الطويلة «شكوى رقم713317» والذي عرض ضمن مسابقة آفاق السينما العربية بمهرجان القاهرة السينمائي، شريطًا سينمائيًا متفردًا يغامر فيه بالذهاب إلى عالم كبار السن، يغوص معهم في رحلة تستكشف طبيعة الحياة الخاصة لزوجين “متقاعدين بعد سن المعاش” يجمعهما الحب لكن تكشف ثaلاجتهم المعطلة عن جوانب أخرى ربما لم يكونوا مدركين لها أو بالأحرى يتعمدون تجاهلها.

رمزية الثلاجة

ربما نتساءل عن سبب اختيار “الثلاجة” كجهاز معطل داخل تلك الشقة التي تحتفظ بذكريات الرحلة بين الشريكين، فالثلاجة هنا رمز كاشف لتفاصيل الحياة بين الزوجين، ولكن اختيارها تحديدًا عن أي جهاز آخر بالمنزل يعود لعدة أسباب أهمها أنها رمز يمثل تجدد الحياة وبقاء أصحابها على قيد الحياة، يمكننا في البداية التوقف عند عبارة الفنانة حنان يوسف صديقة البطلة شيرين “سما” والتي روتها مع بداية أحداث الفيلم “الثلاجة دي شايلة كتير قوي” خلال فتحها لباب الثلاجة، هذا  الجهاز الذي يحمل معه ذكريات العائلة من زوجة تحرص على إعداد الطعام وتخرينه كما يظهر في بعض البرطمانات واللحوم والخضراوات وآخرى من الموجودة في الثلاجة بالرغم من كونهما زوجين يعيشان بمفردهما، يأملان في زيارة الابن المنخرط في العمل الذي يعيش بمفرده بعيدًا عنهم، ويتواصل معهم كل فترة عبر الإنترنت في إسقاط غير مباشر على الوحدة التي يعيشها الزوجان، فما الذي يجعلهم يشترون كميات كبيرة من الطعام التي تسبب ازدحامًا داخل تلك الثلاجة مما يجعل هناك ترسيبات من الثلج.

وهنا يضفي المخرج ياسر شفيعي معادلًا بصريًا أكثر وهجًا مع انطلاقة الأحداث عندما يقوم بطل الفيلم النجم محمود حميدة “مجدي” بتكسير كرات الثلج المحيط بجوانب الفريزر أملًا في إصلاحها، بما يحمل معه استهلال لشخصية الرجل الستيني المتقاعد الذي يحاول مسايرة حياته وحل مشاكله بهدوء اعتقادًا منه ببساطة الأمر أنه لا يتعدى سوى إذابة بسيطة لبعض عثرات الحياة وتفاصيلها الباردة، التي تتساقط مع الثلج لكن خرمًا بسيطًا يحدثه خلال تلك العملية يفجر فيما بعد سلسلة من الأزمات أبرزها الشكوى المتكررة لشركة “صيانتكو” من أجل إصلاح ثلاجته المعطلة.

مقابلات حتمية وصدامات مع الحياة

تفرض حياة الزوجين المتقاعدين صدامات مع الحياة تكشف لهم عوار حياتهم الفارغة، من خلال لقاءات مع جيل آخر يعوض فكرة التواصل المفقود مع الابن الغائب، يجددون بها دماء أرواحهم وأفكارهم سواء في الاقتراح بشراء ثلاجة جديدة أو الإقدام على عمل مشروع جديد، ممثلة في شخصيتين أحداهما زميلة شابة حصلت على موقع “سما” الوظيفي والتي تلعب دورها النجمة شيرين بعد تقاعدها عن العمل وآخرى هي جارة شابة لها تمثل الانعكاس الآخر للجيل الحالي من خلال علاقتها المضطربة بينها وبين زوجها.

هنا ينجح مخرج العمل في خلق خط درامي آخر يحمل قراءة ذكية من خلال شخصيتين أخريين في الربيع الآخر من العمر تلتقي دوافعهم مع الزوجين المتقاعدين لتحدث بينهما مكاشفة أخرى تفتش في المخزون بدواخلهم وعقولهم، فالسيدة عبير التي لعبت دورها صوتيًا النجمة القديرة إنعام سالوسة” وتظهر في مشهدين فقط، تقدم شخصية “صاحبة الشركة” التي تقوم بالرد تليفونيًا على العملاء.. تعد دائمًا بالإصلاح لكنه طوال الوقت “ضجيج بلا طحين” أما الشخصية الآخرى فهو مهندس الثلاجات “إيهاب” الذي لعبه دوره الفنان المخضرم محمد رضوان والذي يبحث عن فرصة للحديث فيها عن أمجاده الحياتية والعملية المزيفة.

وبين المهندس “إيهاب”، والسيدة “عبير” رابط مشترك فكلاهما يبحث عن فرصة للتواصل مع الآخر، فلا يصدق أن تكون صاحبة الشركة المتخطية سن الستين من عمرها هي ذاتها موظفة خدمة العملاء التي تستقبل كمًا هائلًا من التليفونيات اليومية بل إنها تعرف جيدًا “الأستاذ مجدي- محمود حميدة الذي يهاتفها طوال الوقت بسبب شكوى ثلاجته المعطلة، فهي فقط تبحث عن ما يشغل حياتها الفارغة من زاوية آخرى، الأمر ذاته لدى المهندس “إيهاب” الذي يحاول خلق هالة خاصة بحياته يدعي بها المعرفة سواء في مجال عمله الذي يجعله يختلق فيه العديد من الأكاذيب كعمله في الناتو أو بصفته خبيرًا بشريًا يجري تقييمًا لعلاقة المهندس مجدي بزوجته الباردة في إسقاط غير مباشر على واقع حياته هو.

في تلك الرحلة نعيش في عوالم الزوجين اللذين يحتفظان بمساحة وفيرة من حب كلاهما للآخر، وتسامحهما الذي يصل لتقبل صفع كلًا منهم للآخر على وجهه في لحظة تمثل مكاشفة صادقة لأزمة كلاهما التي يعيشان فيها في فراغ الوحدة، فالزوج يبحث عن حقه الضائع في شكوى شركة الصيانة التي أفسدت عمل ثلاجته نهائيًا ويتتبعها على مدار عدة أشهر وكأنه لم يعد شيئًا في الحياة سوى ذلك متناسيًا إنهاك زوجته التي تحاول إقناعه بشراء آخرى جديدة في الوقت الذي تحاول فيه هي البحث عن ذاتها مجددًا من خلال مشروع للأكل في اعتقاد منها لمهارتها في الطبخ.

تفاصيل مرئية وكادرات أنيقة في شكوى 713317

تفرد نوعيات بعض الأفلام على صناعها، مجهود احترافي متضاعف لنقل القصة وتعبيرات المرحلة الزمنية إلى المشاهد، وتأتي مهارة مهندسة الديكور نورا فوزي لتؤكد ذلك في فيلم « شكوى 713317»، فجميع الديكورات تعكس روح الزوجين في تمسكهم بالاحتفاظ بكل ما هو قديم بما فيها “الثلاجة المعطلة” شديدة القدم، والتلفزيون القديم كذلك ألوان الحوائط والسيراميك المتمثل في “القيشاني القديم” كما هو بالمطبخ، ويتماهى مع ذلك الإضاءة التي عكست روح خريف العمر ببلاتة ألوان صفراء اللون تمثل الإحساس بالدفء والعزلة والوهن وبطء الزمن الذي يتماهى مع رتابة وتكرار الأحداث بين كادرات متكررة للزوجة تقوم فيها بتنظيف المنزل أو استمرار الزوج في مهاتفة شركة الصيانة.
وبالرغم أن الديكورات وحركة الكاميرا في هذا الفيلم شديدة المحدودية والإبهار حيث يدور جميعها في “لوكيشنات داخلية” تنحصر بين المطبخ والحمام وغرفة النوم، لكنها لا تشعر المشاهد بأي  نوع من الملل من ناحية، وتحافظ على أجواء الرتابة والتفاصيل اليومية المتكررة من ناحية آخرى، ويزداد من عمق التفاصيل التي صاغها مدير التصوير كريم فؤاد حكيم بكادرات مميزة مثل شريحة البطيخ التي تعلو “المكيف المتهالك” أيضًا في محاولة للتغلب على حرارة الجو المرتفعة أو في صورة تلك الثلاجة التي أصبحت بمثابة خزانة لملابس البطل بعد أن فقد الأمل في إصلاحها في إسقاط على حياة البطل “مجدي” الذي توقفت حياته هو الآخر بعد تقاعده وإشارة لضيق يديه في شراء ثلاجة بديلة لها واغترابه وعزلته التي باتت تلازمه بشكل أكبر بعد خلافه مع زوجته.

موسيقى خالد الكمار وصوت إنعام سالوسة

لازالت القديرة إنعام سالوسة قادرة على إبهارنا كلما تقدم بها العمر، فرغم أن مشاركتها بأغلب أحداث الفيلم هي مشاركة صوتية لكنها تضفي البهجة مع كل مكالمة يهاتفها فيها البطل عندما ترد بصوتها المرح “ألو.. ألو ألووووو”، والحقيقة أنه اختيار شديد  الذكاء من المخرج ياسر شفيعي بأن تكون موظفة خدمة العملاء سيدة تتجاوز الستين من عمرها ولديها كل هذه الطاقة لتخاطب العملاء بروح صبورة لوقتًا طويل، ويتوازى مع ذلك موسيقى الموسيقار خالد الكمار الذي بات يفرض هويته الموسيقية على كثير من الموضوعات الدرامية المرتبطة بالعلاقات الإنسانية يمزج فيها بين رؤيته كمؤلف موسيقي يحافظ على بنية الزمن والسرد الدرامي بموسيقى يعانقها الحنين لذكريات حالمة ومبهجة تداعب القلب والعقل.

كسر حاجز الزمن

كما انطلق محمود حميدة “مجدي” بتكسير كرات الثلج في ثلاجته المعطلة مع بداية الأحداث، يعود مجددًا في ختامها ويمسك بشاكوش ضخم يحطم به الثلاجة بعد إصلاحها والاستجابة لشكوته  رقم   713317، هذا المشهد الذي يعد الأقوى في هذا الفيلم، حيث يؤكد تمرد “مجدي” على حياته القديمة التي قرر أن يكسر فيها حاجز الضعف..الوحدة..الاستسلام..انتظار لسؤال ابنه الذي توضع صورته على الثلاجة ويفترض أن يتولى هو مهام رعايته هو ووالدته في هذا العمر..كل هذه وغيره يحطمه “مجدي” الذي يبدو انه أجرى إطلاعًا واسعًا وحصل على معلومات دقيقة عرف منها حقوقه جيدًا في إصلاح “ثلاجته” ويظهر هذا في طلباته من مهندس الصيانة “إيهاب” في نهاية الأحداث حيث يعطي له أوامر واضحة لإتمام عملية الإصلاح.

فيلم شكوى رقم  713317

تحمل التجارب الأولى لمخرجيها دائمًا محاولات للتجريب وربما لا تحقق التوازنات الدرامية والمرئية المطلوبة منها،  ويأتي ياسر شفيعي في تجربته الأولى ليعكس تلك الروىء ويقدم تجربة تحمل بصمته وهويته في عمله الروائي الأول وتؤكد على قدرته في تقديم جوانب آخرى من نجوم ربما قدموا أدوارًا مماثلة من قبل لكنهم يسجلون أرقامًا جديدة في مشوارهم المضيء تحديدًا بطلي العمل النجم محمود حميدة والنجمة شيرين في تماهي واضح مع الشخصيات وحالة الزمن والعجز التي فرضتها المرحلة العمرية، نعيش معهم في لحظات الرومانسية الاستثنائية ونشعر بأوجاع التمرد والغضب والآلم من أوجاع الزمن.