ليلة استذكار يوسف شاهين في باريس
Fasllah - Hauvick Habéchian ○ 27 January 2026
يمكن النظر إلى يوسف شاهين، في مرور مئة عام على ميلاده، باعتباره تجربة حياة متكاملة، جسرًا يربط بين أجيال متعدّدة، ونقطة تقاطع بين ثقافات متنوعة. كان شاهين (1926 – 2008) صاحب رؤية، بقدر ما شكّل أيضًا ظاهرة إنسانية تمثّل صوت الضمير الفردي والجماعي، وتجسيدًا للتاريخ والذاكرة والوجدان المصري.
شهادات مَن اقتربوا منه، مثل ماريان خوري ويسري نصر الله، أو مَن تابعوا أعماله من بعيد، كجاك لانغ ونمير عبد المسيح، تؤكّد أن إرثه عابرٌ للأجيال وتأثيره لم يقتصر على الشاشة وحدها وإنما امتد إلى خارجها. فقد كان معلمًا، ومغامرًا، ومتمردًا على القيود، يفتح المجال للحرية والتجريب، محوّلًا الفنّ إلى احتفال بالحياة بكلّ تناقضاتها وتعقيداتها
كثر ممّن تتلمذوا على يديه رأوا فيه أبعد من مخرج وثّق مراحل من تاريخ مصر. لقد وجدوا في تجربته مساحة للتفكير والتأمّل، ومثالًا للجرأة في التعبير عن الذات والواقع. أما أولئك الذين تابعوا أعماله من بُعد، فوجدوا في إرثه دعوة دائمة للنقاش وإعادة اكتشاف معاني الحرية والاستقلالية. وهكذا، يظلّ لشاهين حضور حيوي في الحياة الثقافية، سواء من خلال أفلامه أو عبر الروح التي زرعها في كلّ مَن عرفوه، مباشرةً أو بالاستعانة.
في افتتاحية مراسم الاحتفاء بمئويته في معهد العالم العربي (باريس)، جاءت الشهادات لتنقل حميمية علاقته بالآخرين، وشغفه الذي لا ينضب بالفنّ، وجرأته على استكشاف الحياة بكلّ أبعادها.
نمير عبد المسيح: أحبّ الحرية في أفلامه
«التقيتُ شاهين مرة واحدة فقط، ولم تتح لي – لا فرصة ولا «سوء حظ»، بحسب كيف يمكن النظر إلى المسألة ـ أن أكون تلميذه أو أحد مريديه. كان ذلك في فترة التحاقي بمعهد السينما، حين كنت أتمنّى العمل في أحد أفلامه، وأن أشارك في أحد مواقع تصويره، لكن الأمر لم يكن ممكنًا. وقد سبّب لي ذلك بإحباط كبير.
ألمني أن أشعر بأنني أفوّت فرصة الاقتراب من شخص يصنع التاريخ فعلياً، لا فقط في تاريخ السينما، بل في تاريخ مصر كذلك. فسينماه لا تروي مجرد حكايات، وإنما تحكي تاريخ بلد كامل، تتحدّث عن مصر عبر أساليب سينمائية متعدّدة، عن الحرب والهزيمة، عن عبد الناصر، عن التحولات الكبرى التي شكّلت الوعي المصري.
كانت علاقتي بشاهين مختلفة، لأنني ولدتُ في فرنسا. اكتشفته من خلال تجربة المنفى والهجرة. كنّا، أنا ووالداي، نستعير الأشرطة من نادي الفيديو، وكانت أفلام شاهين بالنسبة لي وسيلة لاكتشاف مصر عبر السينما.
أنتمي إلى عائلة كان الوالدان فيها يقولان دائمًا، مازحين: «يوسف شاهين؟! لا نفهم شيئاً من أفلامه!». وعندما أخبرتهما برغبتي في دراسة السينما، جاء تحذيرهما الأول لي: «افعل ما تشاء، لكن إياك أن تصنع أفلاماً مثل يوسف شاهين، لن يفهمها أحد، ستكون كارثة!».
ومع ذلك، ظلّت سينما شاهين بالنسبة لي جسرًا حيًا يربطني بمصر، وبحكاية المنفى، وبسؤال الهوية. ما أراه مهمًا في نظري، هو إدخال البُعد الذاتي إلى السينما العربية. سينما تقول «أنا». أعتقد أن هذا الاختيار كان أيضًا وسيلة للالتفاف على الرقابة. فعندما نحكي تاريخ بلدٍ ما، في سياق يكون فيه هذا البلد خاضعًا للسيطرة، تُمحى الذاكرة الجماعية باستمرار لأن التاريخ يُعاد كتابته على الدوام. ومن خلال السرد الذاتي، يصبح بالإمكان الحفاظ على الذاكرة، وعلى وجهة نظر شخصية تقاوم المحو والتزييف، وتمنح السينما دورها الحقيقي كشهادة إنسانية وتاريخية في آن واحد.