ولنا فى الخيال … حب؟” … رومانسية رشيقة مدهشة”

Dostor - Mahmoud Dawer 10 January 2026

انقضى عام 2025 وترك لنا بعض الندوب، سواء على المستوى العام أو الخاص، لكنه قبيل أن يرحل وضع على جبيننا قبلة عبر عدد من الأفلام التى تمثل خطوة جيدة فى صناعة الفن السابع.
عام من الإنتاج المتوسط الذى بلغ تقريبًا 32 عملًا- ولا يوجد إحصاء رسمى- ومن بين تلك الأعمال، نتوقف مع فيلم «ولنا فى الخيال حب»، الذى تم عرضه الجماهيرى فى ديسمبر. وهو العمل الأول للمخرجة الشابة سارة رزيق، وهى أيضًا صاحبة القصة والسيناريو، وقام ببطولته كل من أحمد السعدنى، مايان السيد، وعمرو رزيق.
لماذا نتوقف عند هذا العمل تحديدًا؟ لأنه تجربة مدهشة تستعيد روح سينما يوسف شاهين فى جانبها المبهر بالموسيقى والاستعراض، والذى نجح صناع العمل فى تقديمه بشكل مميز. لقد أضاف للسياق الدرامى الكثير، وبالتأكيد هى مغامرة من المخرجة الشابة أن تدفع بتابلوهات غنائية واستعراضية فى ظل غياب مغن محترف، حيث اعتمدت على أداء غنائى قدّمه أحمد السعدنى ومايان السيد، بالإضافة إلى الموهبة المهمة عمرو رزيق، الذى أعاد للأذهان وهج وتألق محسن محيى الدين فى أعماله الأولى مع يوسف شاهين.
جاءت القصة التى- ربما- تتقاطع فى البداية بعض شخصياتها مع حكاية فيلم «ملك وكتابة» إنتاج  عام 2006 للمخرجة كاملة أبو ذكرى لكن سرعان ما تتباين الرؤى وتختلف المعالجات.
«
ولنا فى الخيال حب» يقدم قصة دكتور يوسف مراد «أحمد السعدنى»، أستاذ الديكور فى معهد السينما، عاد بعد سنوات من العمل فى أوروبا بصحبة زوجته وحبيبته، لكنه يفقدها بفعل الموت. فيعود ليعيش وحيدًا، مكتئبًا أكثر حدة وعزلة، مكتفيًا بالدمية الكبيرة التى صنعها لحبيبته الراحلة.
تعيش وردة «مايان السيد» قصة حب متوترة مع نوح «عمر رزيق»، قصة تشبه جيلهما الذى يلهث خلف عجلة الحياة المسرعة.
تبدو مشاهد انطلاق وردة ونوح فوق دراجة بخارية ساحرة وقادرة على خطف العقل نحو عوالم رومانسية طازجة وكأنها تضع رأسها على كتفة وتراه سندًا ويراها حلمه، لكنهما سرعان ما يسقطان فى واقع غير حالِم عندما يختلفان فى رؤيتهما. ينشأ خلاف حاد، وتواجه «وردة» ونوح بكل قسوة.
يكشف هذا عن خلافات فى نمط الحياة، فهو شاب حالم جدًا وهى واقعية إلى حد كبير؛ مما يؤدى إلى صدام.
تجد «وردة»- الطالبة فى معهد السينما- نفسها بكل ما تمثله من انطلاق فى مواجهة صرامة وتجهم «الدكتور يوسف»، الذى يرفض حضورها المتأخر للمحاضرة، فتحمل «وردة» مسئولية الموقف لـ«نوح»، الذى كان سببًا فى تأخرها عن موعد المحاضرة.
وكان هذا الحدث هو الدافع لخلاف عميق وحاد بين وردة ونوح.
تقتحم وردة عالم «يوسف» المغلق وتتحدى محاولات رفضه دخولها وتتفرغ لمساعدته على مواجهة حزنه وفقدانه زوجته الراحلة، وتشاركه لحظات من حياتها المليئة بالطاقة والشغف، مما يساعده تدريجيًا على استعادة توازنه النفسى. تتطور العلاقة بينهما لتصبح رابطًا قويًا من التفاهم والدعم العاطفى، بحيث تكتسب وردة دورًا محوريًا فى تحفيز يوسف على مواجهة ذكرياته المؤلمة، والتواصل مجددًا مع العالم الخارجى. هذا الجانب العاطفى الإنسانى العميق يجعل العلاقة بينهما تبدو للملتقى أنها بلغت درجة كبيرة من الحب.
تنبهر وردة بحكمته وتجاربه، ويبدو يوسف سعيدًا ومحبًا لشجاعة وجرأة وردة.
يرى «نوح» الدمية، زوجة يوسف الراحلة، جالسة فى الشرفة، فيظنها ابنته فيقع فى حبها، ويبدأ فى إرسال خطابات لها عبر الشرفة. لكن الخطابات تسقط فى يد «وردة»، فيقترح عليها «يوسف» أن ترد عليها.
تتكرر الواقعة عدة مرات حتى يقع نوح فى حب صاحبة الردود، ويظن دائمًا أنها تلك الفتاة- الدمية- فى نفس السياق، تنجح وردة فى اقتحام حياة «يوسف» تمامًا، وتساعده على استعادة توازنه، فتنقل إليه جزءًا من روحها المتقدة والمتحمسة للحياة، وهو ما كان قد فقده بعد رحيل حبيبته وزوجته.
تتصاعد الأحداث بسرعة مفعمة بالرومانسية، مع مونتاج مميز للمونتير «أيمن منصور»، وموسيقى مذهلة وحية ومنطلقة تشبه طبيعة العمل، قدمها الموسيقار «خالد حماد».
يكتشف «نوح» أن من تجلس فى الشرفة هى «الدمية»، وخلال مواجهة مع «يوسف»، يروى له قصته وماسأة رحيل حبيبته «ليلى» ويخبره بأن صاحبة الردود على خطاباته كانت «وردة». ليصبح «يوسف» صديقًا مشتركًا بينهما يسعى لاستعادة قصة حب نوح ووردة، تلك التى وثقتها الرسائل، فقد كان الخيال هو البيئة الحاضنة لذلك الحب، وأسهم فى حمايته من خلافات متهورة كادت أن تعصف به.
فقد عاش يوسف فى خيال لسنوات، يحب «ليلى» رغم وفاتها، وظل حبيس ذكرى حبه وشعوره بالندم؛ لأنه تزوجها دون موافقة أسرتها، مما دفع والدها لمقاطعته. فلم يعد قادرًا على إخبارهم بوفاتها خوفًا من تحميله المسئولية.
كان موقفًا قاسيًا أن يعجز «يوسف» عن إخبار أسرة «ليلى» بما حدث لها، لكن علاقته بـ«وردة» و«نوح» أعادت له القدرة على التوجه إلى منزل أسرة زوجته الراحلة فى الإسكندرية ليخبر والدتها، التى جسدت دورها الفنانة «منحة البطراوى» وظهرت فى مشهد وحيد لكن دائم الأثر.
إنها مساحات من الشجن تملأ الشاشة، وأداء عميق من أبطال الفيلم، فقد جاء «السعدنى» متفوقًا على نفسه فى مشاهد صعبة ومركبة، وكانت «مايان السيد» مبهرة فى أداء «وردة»، وكأنك أمام «وردة» بالفعل. أما «عمر رزيق»، فكان متعدد المواهب، وهو مكسب كبير للسينما المصرية. أتمنى أن تتم الاستفادة من طاقاته، خاصة فيما قدّمه من أداء استعراضى متميز جدًا كما جاء حضور «خالد كمال» مهما رغم مساحة دوره المحدودة.
«
ولنا فى الخيال حب»…
يحمل رسالة مهمة وهى أننا قادرون على تقديم سينما راقية تصل إلى الناس وترقى بمشاعرهم. سينما تسكن فى الوجدان.. سينما تغسل الروح وتمنحها طاقة جديدة ومتجددة.